الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

325

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

توضيح ذلك : أنّ للمتكلّم في كلّ كلام إرادتين : إرادة جدّية وإرادة استعماليّة ، وهما تارةً تتوافقان وأخرى تتخالفان ويستكشف هذا من الكنايات في الجمل الإخباريّة ، ومن الأوامر الامتحانيّة في الجمل الإنشائيّة ؛ حيث إنّ في كلّ واحد منهما توجد إرادتان : إرادة استعماليّة وإرادة جدّية ، ففي الكنايات إذا قيل مثلًا « زيد كثير الرماد » نرى بوضوح وجود إرادتين . لأنّ كلّ واحد من لفظي « زيد » و « كثير الرماد » استعمل في معناه الحقيقي بلا شكّ ، لكنّه لم يرده المتكلّم جدّاً كما هو المفروض ، بل المراد الجدّي منهما هو سخاوة زيد ، فالإرادة الاستعماليّة تعلّقت بما وضع له اللفظ واستعمل فيه ، والإرادة الجدّية تعلّقت بشيء آخر خارج عن دائرة الوضع والاستعمال ، وهو سخاوة زيد . وكذلك في الأوامر الامتحانيّة ، لأنّ الطلب الظاهري فيها تعلّق بذبح إسماعيل عليه السلام مثلًا ، لكن المراد الجدّي فيها هو امتحان إبراهيم عليه السلام . وبالجملة : إنّ هاهنا ثلاث نكات لابدّ من التوجّه إليها : الأولى : إنّ الأصل الأوّلي العقلائي اللفظي في باب الألفاظ هو تطابق الإرادتين وقد سمّي هذا بأصالة الجدّ ، ولا إشكال فيه . الثانية : إنّه لا تختلف الإرادتان إلّالنكتة وداعٍ يدعو إليه . الثالثة : إنّ المدار في الحقيقة والمجاز هو الإرادة الاستعماليّة لا الجدّية ، ولذلك يعدّ الاستعمال في الكنايات استعمالًا حقيقياً ، لأنّ الإرادة الاستعماليّة فيها تتعلّق بالمعنى الموضوع له كما مرّ ، والتصرّف إنّما وقع في الإرادة الجدّية ، وهذا هو الفرق بينها وبين المجازات بناءً على مذاق المشهور من أنّ المجاز إنّما هو في الكلمة لا في الأمر العقلي . إذا عرفت هذا فاعلم : قد ذهب المحقّق الخراساني رحمه الله إلى كون العامّ حقيقة في الباقي مطلقاً سواء كان المخصّص متّصلًا أم منفصلًا : أمّا في المتّصل فاستدلّ بأنّه إذا كان المخصّص متّصلًا بالعامّ تستعمل أداة العموم